الشيخ محمد رشيد رضا
470
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) اي مثل هذا الاخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة باحيائها بالماء نخرج الموتى من البشر وغيرهم . فالقادر على هذا قادر على ذاك . لعلكم تذكرون هذا الشبه فيزول استبعادكم للبعث الذي عبرتم عنه بقولكم : من يحيي العظام وهي رميم ؟ ا إذا متنا وكنا ترابا وعظاما ا انا لمبعوثون ؟ ا انا لمدينون ؟ ذلك رجع بعيد . وأمثال هذه الأقوال الدالة على أن إنكاركم لا منشأ له إلا ما تحكمون به بادي الرأي من امتناع خروج الحي من الميت ، ذاهلين عن خروج النبات الحي من الأرض الميتة . وعن عدم الفرق بين حياة النبات وحياة الحيوان ، في خضوعهما . لقدرة الرب الخالق لكل شيء ، فوجه الشبه في الآية هو اخراج الحي من الميت ، والحي في عرفهم يعرف بالنماء والتغذي كالنبات ، وبالحس والتحرك بالإرادة كالحيوان فان قيل إن العلم قد أثبت ان الحي لا يولد الا من حي سواء في ذلك النبات والحيوان بأنواعه من أدنى الحشرات إلى أعلاها ، فالنبات الذي يخرج من الأرض القفراء بعد سقيها بالماء لا بد أن يكون له بذور أو جذور فيها حياة كامنة لا تظهر من مكمنها الا بالماء ، كما أن البيوض التي يتولد منها الحيوان - أدناها كالصئبان وبذور الديدان وأوسطها كبيض الطير والحيات وأعلاها كبيوض الارحام - كلها ذات حياة لا تنتج الا بتلقيح ماء الذكور لها ؟ قلنا إن هذه الحياة لم تكن معروفة عند واضعي اللغة فهي اصطلاح جديد ، وأهل اللغة خوطبوا بعرفهم في الحياة والموت ففهموا بل إن قول هؤلاه العلماء لا ينفي صحة خروج النبات الحي من الأرض الميتة فلو لا تغذي البذور والجذور بمواد الأرض الميتة بسبب الماء لما نبتت ، على أن بعض المتكلمين والمفسرين قالوا إن الانسان يبلى كله الا عجب الذنب وهو أصل الذنب المسمى بالعصعص أو رأس العصعص فهو كنواة النخلة تبقى فيه الحياة كامنة بعد فناء الجسم ، وإن اللّه تعالى ينزل من السماء ماء فينبت الناس من عجب الذنب كما ينبت البقل . فهؤلاء يرون أن ذلك المطر يفعل فيه ما يفعل هذا المطر في الحب والنوى وليس لهذا القول أصل صريح « 1 » يعد حجة قطعية في مسألة اعتقادية غير معقولة المعنى كهذه ولكن
--> ( 1 ) في الطبعة الأولى انه ليس له أصل صحيح من الكتاب والسنة وهو سهو غريب منا ونسيان لحديث الشيخين الذي كنا أناه مرارا ولذلك استدركنا عليه بالتفصيل الآتي